فصل: باب: عتق الشريك في الصحة والمرض والوصايا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: عتق الشريك في الصحة والمرض والوصايا:

قال الشافعي رضي الله عنه:"من أعتق شركاً له في عبد، وكان له مال... إلى آخره".
12336- العتق نافذ، وأصول الشرع: الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ شاهدةٌ عليه.
والقول فيه ينقسم إلى ما يتعلق بالتصرف في صيغ الألفاظ، ومسائل العتق في هذا كمسائل الطلاق، وإلى ما يختص العتق به كالسراية إلى ملك الغير، وجريان القرعة فيه وانحصاره في الثلث من المريض، وتعلق أحكام التركة به.
(وكتابُ العتق) معقود لذكر خصائصه، ولما رأى الشافعي سريانه إلى ملك الغير من أظهر خصائصه، صدر الكتاب به.
12337- فنقول: العتق ينقسم إلى ما يوجه على شَخْصٍ، وإلى ما يوجه على شِقْص، فمن أعتق شَخْصاً، فإن كان مملوكاً له، لا حقّ لأحد فيه، وكان هو مطلقاً، نفذ عتقُه، وإن لم يكن مملوكاً له، فلا شك أنه لا يعتِق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم».
ونقل النقلة عن ابن أبي ليلى أن من أعتق عبد غيره وكان موسراً، نفذ عتقه، وغرم قيمة العبد لمالكه، قياساً على نفوذ العتق في الشقص المملوك للشريك.
ولو قال لعبد الغير: أنت حر، فهذا القول مردود في الحال، ولكن لو ملكه يوماً من الدهر، حُكِم بعتقه، وحُمل قوله السابق" أنت حرٌّ " على الإقرار بحرّيته، ومن أقر بحرّية عبد ثم ملكه، كان مؤاخذاً بموجب إقراره.
وفي هذا لطيفة، وهي أن المالك إذا قال لعبده: أنت حر، فهذا إنشاء عتق منه، وإن كان اللفظ على صيغة الإقرار، وهو كقول الزوج لزوجته: أنت طالق.
فكان قول المالك:"أنت حرٌّ " متضمناً إنشاء تحرير، وهذا مما اعتضد اللفظ فيه بغلبة الاستعمال، وانضم إليه أنه لو كان مقراً، لكان مؤاخذاً بإقراره، فجعل هذا إنشاءً.
فإذا قال لعبد الغير:"أنت حرٌّ"، فلا مساغ لإنشاء التحرير، فنفذ اللفظ إقراراً، وكذلك لو قال لعبد الغير:"قد أعتقتك". قال القاضي: قد يؤكد معنى المضي إذا انضم إلى الصيغة التي تسمى الفعل الماضي، فكان ذلك إقراراً بالحرية، كما لو قال: أنت حر.
وفحوى كلامه دالة على أنه لو قال:"أعتقتك"، لم يكن ذلك إقراراً، وإن كانت الصيغة في أصل الوضع للإخبار عما مضى، ولا فصل عندي بين قوله:"أعتقتك " وبين قوله:"قد أعتقتك"، فإنه إن ترجح أحدهما على الثاني في تأكيد، لم ينته ذاك إلى إلحاق أحدهما بالصريح الذي لا يقبل فيه تفسير القائل، فالوجه أن يراجَع، ويقال: ماذا أردتََ؟ أهزلاً قصدتَ في إنشاء العتق، أم أقررت؟ ثم نحكم على موجب قوله، وإن لم يفسر، تركناه، فلا طلبة عليه.
فأما إذا قال:"أنت حر"، فالظاهر حمل هذا على الإقرار؛ فإنه صفة، ولولا قرينة الاستعمال على الشيوع حيث يمكن الإنشاء، لحملناه على الإقرار.
ولو ملك جارية وكانت حاملاً بولد مملوكٍ لغيره، فإذا أعتق الجاريةَ مالكُها، لم يَسْرِ عتقُها إلى الجنين سراية عتق من شقص إلى شقص، فكذلك إذا أعتق مالك الجنين الولدَ نفذ العتق، ووقف عليه.
وقال أبو حنيفة: إعتاق الأم يسري إلى الجنين هذا في توجيه العتق على شخص.
12338- فأما إن أعتق شقصاً، فلا يخلو إما أن يعتق شقصاً من عبده الخالص، أو يعتق شقصاً من عبد مشترك بينه وبين غيره، فإن أعتق شقصاً من عبده الخالص، عَتَق كلُّه، سواء كان له مال غيره، أو لم يكن، وفي كيفية وقوع العتق وجهان:
أحدهما: أن العتق يرد على الجزء الذي سماه، ثم يسري إلى الباقي، فيحصل العتق مترتباً، ولا يتخللهما زمان يفرض فيه نقل الملك؛ فإن الملك كائن. والوجه الثاني- يقع العتق دفعةً واحدة، وقوله أعتقت نصفك عبارة عن عتق الكل، فكأنه قال:"أعتقتك".
هذا إذا وجّه العتق على جزء شائع.
فأما إذا وجّهه على جزء معين، فالعتق يحصل في الجميع عند الشافعي؛ وترتيب المذهب في الأجزاء إذا أضيف العتق إليها كترتيب المذهب في إضافة الطلاق.
ثم إذا حكمنا بعتق العبد-وقد وجه المولى العتقَ على جزء معين منه، ففي كيفية نفوذ العتق وجهان مرتّبان على الوجهين في إضافة العتق إلى الجزء الشائع، والصورة الأخيرة أولى بأن يقال فيها: يقع العتق دفعة واحدة، غيرَ نازل على الجزء المعين، مع تقدير السراية منه. والفرق أن الجزء المعين لا يتصور انفراده بالحرية، بخلاف الجزء الشائع. والطلاق إذا أضيف إلى الجزء الشائع- فهو في ترتيب المذهب كالعتق، يضاف إلى الجزء المعين، فإنه كما لا يقف العتق على الجزء المعين لا يقف الطلاق على الجزء الشائع.
12339- التفريع على الوجهين في الجزء المعين. إذا قال لعبده: إن دخلتَ الدار، فخنصرك حر، فقطعت خنصره، ثم دخل. إن قلنا: ينزل العتق على الجزء، ثم يسري منه، لم يحصل العتق بدخول الدار؛ لفقد المحل الذي يضيف العتق إليه.
وإن قلنا: هو عبارة عن إعتاق الجميع، فلا أثر لانعدام الخنصر، وكأنه قال له: إن دخلت الدار، فأنت حر.
ولو قال لعبده:"يدك حر "-ولا يد له- فقد اختلف أصحابنا على طريقين:
فمنهم من قال: في نفوذ العتق وجهان مبنيان على ما ذكرناه من حلول العتق وسريانه، أو توجهه على الجميع، فإن سلكنا مسلك السريان بعد الحلول على الجزء المسمى، فلا يحصل العتق، وإن حكمنا بأن سبيل ذلك سبيل توجيه العتق على الجميع، حصل العتق، وكأنه قال له: أنت حر.
ومن أصحابنا من قطع بأن العتق لا ينفذ في هذه الصورة؛ فإن العَتاق من طريق اللفظ لم يصادف محلاً نطقاً وذكراً، حتى يقال: إنه عبارة عن الجميع، وهذه الطريقة أَفْقه.
وكل ما ذكرناه في العَتاق فلا شك في جريانه في الطلاق، ولولا إقامة الرسم في تصدير الكتاب بالتقاسيم وترتيبها بذكر تراجم الأحكام، لاقتصرنا على الإحالة على مسائل الطلاق في ذلك؛ فإنا استقصينا هذه المسائل.
ثم هذا كله إذا كان العبد خالصاً، فأضيف العتق إلى بعضه.
12340- فأما إذا كان العبد مشتركاً، فأضاف أحدُ الشريكين العتقَ إلى جزئه، نُظر: فإن سمى نصيب شريكٍ، ووجه العتقَ عليه، لغا لفظه، ولم ينفذ العتق وذلك إذا قال لشريكه: نصيبك في هذا العبد حر، أو أعتقتُ نصيبك، وليتحفظ الإنسان حتى لا يقع في الإقرار بعتق نصيب صاحبه، وليختر لفظة في الإنشاء لا يُتمارى فيها.
فأما إذا قال: أعتقت نصيبي منك، فيعتِق نصيبُه، وسنذكر حكمَ السراية.
وإن قال لعبده، وهو يملك نصفه:"أعتقت نصفك"، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن العتق ينصرف إلى نصفه المملوك؛ فإن الإنسان لا يُعتق إلا ملكَ نفسه، فيحمل مطلقُ لفظه على ذلك.
والوجه الثاني- أنه ينصرف إلى نصف العبد شائعاً؛ فإنه لم يخصصه بملك نفسه، فعلى هذا يَعْتِق نصفُ نصيب المعتِق، وهو ربع العبد، ثم يسري لا محالة إلى ما بقي من نصيبه، سواء كان موسراً أو معسراً، وإلى نصيب صاحبه إن كان موسراً.
ولا يكاد يظهر لهذا فائدة، إلا أن يفرض تعليق عَتاقٍ أو طلاق في ذلك، بأن يقول: إن أعتقت نصفي من هذا العبد فامرأته طالق، فماذا قال: نصفك حر، وصرفنا ذلك إلى نصفه المملوك، فيقع الطلاق المعلق بإعتاقه ما يملكه من هذا العبد، وعلى الوجه الثاني لا يقع؛ فإنه لم يعتق منه ما يملكه، بل أعتق بعضه، وسرى العتق إلى باقيه، وهذه التقريرات تهذب مأخذ الفقه، وإن كانت قليلةَ الجدوى في النفي والإثبات.
وإذا باع نصف العبد المشترك، نُظر إلى لفظه، فإن قال: بعت نصفي من هذا العبد، أو نصيبي، وكانا عالمين بمقداره، نزل على ما يملكه.
وإن قال: بعت النصف من هذا العبد، ولم يضفه إلى ملكه، جرى الوجهان:
أحدهما: أن البيع ينصرف إلى نصفه المملوك، وهو كما لو قال: بعت نصفي من هذا العبد، والثاني: ينصرف إلى نصف العبد شائعاً، فعلى هذا لم يصح البيع في نصف ذلك النصف، لمصادفة ملك الشريك، ويجري في نصف النصف قولا تفريق الصفقة.
ولو أقر أحد الشريكين بنصف العبد المشترك لإنسان، قال الأصحاب: يخرج في الإقرار الوجهان المذكوران في البيع، فإن حصرنا لفظه على ملكه؛ فقد أقر بما كنا نعرفه له، وإن أشعنا اللفظ، فقد أقر بنصف نصيبه، ونصف نصيب صاحبه.
وقال أبو حنيفة: النصف المطلق في البيع مختص بملك البائع، حملاً على أن الإنسان لا يبيع إلا ما يملك، فأما الإقرار، فمحمول على الإشاعة؛ فإن الإقرار إخبار، ولا يمتنع أن يخبر الإنسان بما يتعلق بملك غيره.
ولا بأس بهذا الفرق، ولو استعملناه، فرتبنا الإقرار على البيع، لم يضر.
12341- فإذا تمهد ما ذكرناه، عُدنا إلى ترتيب العتق. فإذا أعتق الرجل نصيبه من العبد المشترك، نفذ عتقه فيه، ثم ننظر: فإن كان معسراً وقف العتقُ على نصيبه، ولم يقوّم عليه نصيب شريكه، وإن كان موسراً، سرى العتقُ إلى نصيب شريكه.
وفي وقت السراية ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنه يسري عاجلاً متصلاً باللفظ.
والثاني: أنه لا يسري إلا عند أداء القيمة إلى الشريك، والثالث: أن الأمر موقوف، فإن أدّى القيمة، تبينّا سريان العتق متصلاً باللفظ، وإن لم يؤدِّ، فظاهر الرق في نصيب الشريك مستدام.
توجيه الأقوال: من عجّل السراية، قال: الإعتاق مع ما يترتب عليه من السراية في حكم الإتلاف، والقيمة تجب بسبب التلف، فماذا ألزمنا الشريك المعتِق قيمةَ نصيب صاحبه، أشعر ذلك بتنفيذنا العتق.
ومن قال بأن العتق لا يحصل إلا عند أداء القيمة، احتج بأن قال: لا يعتق نصيب شريكه عليه إلا بتقدير نقل الملك إليه، فهذا إذاً تملُّكٌ قهري على الغير بعوض، فينبغي أن يتوقف على سَوْق العوض كالتملك بالشفعة.
ومن قال بالوقف، نَظَر إلى العتق واستحالةِ استئخار نفوذه إذا كان ينفذ، وإلى حق الشريك، وامتناع إحباطه نقداً وإحالته على الذمة، فرأى الوقفَ وسطاً بين هذين.
12342- ثم مذهبنا أن عتق المعسر لا ينفذ في نصيب صاحبه، وإنما يسري عتق المتمكن من أداء قيمة نصيب الشريك.
وليس يمتنع في العبد المشترك عتقُ البعض وبقاءُ الرق في البعض، وإنما يبعد ذلك على اختلافٍ في ضرب الرق ابتداءً على البعض مع بقاء الحرية الأصلية في البعض، ونحن نذكر في ذلك صوراً: منها- أنه إذا كان بين المسلم والذمي عبد مشترك، فأعتقاه، والعبد كافر، فنقض المعتَق العهد، والتحق بدار الحرب، فَسُبي، فلا يُسترق نصيبُ المسلم، وفي استرقاق نصيب الذمي وجهان؛ لأن معتِقَه لا يزيد عليه، ولو التحق هو بدار الحرب، لاسترققناه إذا رأينا ذلك؛ فإذاً هذا الخلاف ليس من أثر التبعيض، بل هو في تردد الأصحاب في أن معتَق الذمي هل يسترق؟
والإمام إذا أسر جماعة من الرجال فأراد أن يَرِقَّ بعضَ واحد منهم، ويترك بعضه على الحرية-إن لم يكن فيه مصلحة- لم يجز، ولو فعل على خلاف المصلحة، فقال: أرققتُ نصفك، فأمره محمول على المصلحة على الظاهر، ولكنا نجري ما نجريه في حقه، وإذا لم نصحح إرقاق البعض، فقد أشار الأصحاب إلى وجهين: فقال بعضهم: إرقاقُ البعض منهم إرقاقٌ للكل، والمسألة مفروضة فيه إذا كان في إرقاق جميعه مصلحة. ومن أصحابنا من قال: يلغو لفظُه، ولا يَرِق منه شيء.
وإن رأى الإمام في إرقاقِ بعضه وجهاً من المصلحة. حتى يجدّ في الاكتساب لنصفه الحر، فهل يجوز له أن يُرق بعضَه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز ذلك، كما يتبعض الرق والحرية في العبد المشترك إذا كان المعتق معسراً، فإذا جاز ورود الحرية على بعض الرقيق، جاز ورود الرق على بعض الحرية. والوجه الثاني- لا يجوز؛ فإن أحكام الحرية والرق متناقضة، فينبغي ألا يختار التبعيضَ فيها، وعِتقُ المعسر لا سبيل إلى رده، ولا سبيل إلى تنفيذه في نصيب شريكه، فأما ضرب ابتداء الرق على الاختيار، فمن باب اختيار تصرفٍ يجر عُسراً، وهذا يقرب من الاختلاف الذي يأتي مفصلاً في مكاتبة بعض العبد إن شاء الله تعالى.
12343- ومن صور التبعيض أن الجارية المشتركة بين الشريكين، إذا أولدها الشريك المعسر، فالاستيلاد يقف على نصيبه وقوفَ العتق، أما الولد، ففيه اختلاف قولٍ. أحد القولين- أنه حر كلُّه؛ حتى لا تتبعض الحرية والرق في الابتداء.
والثاني: أن النصف منه حر، والنصف رقيق، وهذا الوجه أوجه في هذه الصورة؛ فإن هذا أمر قهري، لا تعلق له بالاختيار، وقد اشتمل ما ذكرناه على ذكر الفرق بين المعسر والموسر في العتق.
12344- ثم نذكر في اليسار أمرين:
أحدهما: أن الاعتبار في يسار المعتق، بكلّ ما يجب إخراجه إلى دَيْن الآدمي، ولا يعتبر في هذا يسارُ الكفارة المترتِّبة، حتى لو كان للمعتِق عبدٌ مستغرَقٌ بخدمته، فهو موسر به في تسرية عتقه، وإن لم نعتبره في اليسار المرعي في الكفارة المترتّبة. هذا أحد ما أردناه.
والثاني: أن الاعتبار بحالة الإعتاق؛ فإن كان المعتق موسراً إذ ذاك، ثبت العتق أو استحقاقه، وإن لم يكن حالةَ الإعتاق موسراً، واستفاد بعد ذلك يساراً، فلا حكم له، وقد استقر تبعُّض الرق والحرية.
ولو ظن ظان أنا إذا فرعنا على تأخير السراية، وحكمنا بأن العتق يحصل مع الأداء، فلو استفاد مالاً وأدّى، عتق نصيب صاحبه، قيل له: لا سبيل إلى ذلك؛ فإنا على هذا القول وإن أخرنا السراية، أثبتنا استحقاقها، كما سيأتي إيضاح ذلك. فإذا لم يثبت الاستحقاق عند الإعتاق، لم يطرأ من بعدُ بطريان اليسار، وإن كنا في قولٍ نعتبر في الكفارة المرتبة حالةَ الأداء، ولكن ذاك تردّدٌ في كيفية ما سبق وجوبه.
12345- ومما نذكره متصلاً بهذا أن الشريك إذا أعتق نصيبه، وكان يملك ما يفي بقيمة نصيب صاحبه، غيرَ أنه كان عليه من الدين مثلُ ما يملك أو أكثر، فهل يسري العتق؟ فعلى قولين مأخوذين من القولين في أن الدين هل يمنع تعلقَ الزكاة بالعين؟ والجامع أن العتق حق الله، وهو متعلق بحظ الآدمي في الخلاص، فكان في معنى الزكاة، وهذا ذكرته احتمالاً في بعض المجموعات، ثم ألفيته منصوصا للشيخ أبي علي في منقولات.
ولو كان الشريك موسراً ببعض قيمة النصيب دون البعض، ففي المسألة وجهان- ذكرهما الصيدلاني:
أحدهما: أن العتق يسري بمقداره، والثاني: أنه لا يسري من العتق شيء، ويقف على ملك المعتِق، والأوجه الأول؛ فإنا نتبع السرايةَ اليسارَ، ووجه الثاني-على بعده- أن السريان من حيث يقتضي نقلَ الملك إلى المعتِق يشابه استحقاق الشقص المشفوع بالشفعة، ولو أراد الشفيع أن يأخذ البعض من الشقص المبيع. ويترك البعض، لم يجد إليه سبيلاً.
12346- ومما نرى تمهيده أنا إذا عجلنا السراية، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن الملك ينتقل في فصيب الشريك إلى المعتِق، ثم يَعتِق عليه، ويثبت الولاء، ولا يتصور أن يسري العتقُ في ملك الشريك من غير تقدير نقل، ثم ما صار إليه الأصحاب أن نقل الملك والعتق-على قول التعجيل- يقعان في وقتين، وإن كانا لا يدركان بالحس. وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: يحصل نقل الملك والعتق معاً من غير ترتب، ولما قيل له: هذا جمعُ النقيضين، قال: لا يبعد هذا في الأحكام، وإنما يمتنع اجتماع المتضادات المحسوسة، وطرد مذهبه في شراء الرجل أباه، ومن يعتِق عليه، وقال: يحصل الملك والعتق معاً.
وهذا كلام سخيف، متروك عليه، وباطل قطعاً.
12347- فإن قيل: ذكرتم حكم العتق في العبدِ الخالص، والعبدِ المشترك على الجملة، وأغفلتم إعتاقَ المالك جاريتَه الحبلى، والحمل لمالك الجارية، وكذلك إعتاقَه الحمل، والأم مملوكة له.
قلنا: أما إذا أعتق الجاريةَ، فالعتق يسري إلى الجنين مذهبأ واحداً. وإن وجّه العتقَ على الحمل، نفذ العتق فيه، وما ذكره الأصحاب أن العتق يقف عليه، ولا يتعدى من الجنين إلى الأم، فتعتِق الأم، كما يعتق الجنين بعتق الأم، وهذا غريب في الحكاية، وإن أمكن توجيهه.
ثم اختار المزني أصحَّ الأقوال، وهو قول تعجيل السراية، وسلك مسلكين:
أحدهما: التعلق بنصوص الشافعي في مواضع من الكتب، والآخر الاستشهاد بالأحكام، ومعظم ما يستشهد به مفرع من الشافعي على قول تعجيل السراية، وأما استشهاده بنصوص الشافعي، وقطعِه القول في مواضع من كتبه، فهذا على مذهبه في أن الشافعي إذا قطع قولاً في موضع، كان ذلك تركاً منه للقولين.
12348- وفي هذا دقيقة لابد من التنبه لها، وهي أن الشافعي إذا نص على قولين، فكأنه لم يذكر لنفسه مذهباً، وإنما ردّدَ، ولو انتهى نظره نهايته، لجزم القولَ، ولا مذهب لمتردِّد. نعم، إن كان ينقدح مذهب ثالث، فإعراضه عنه مذهب.
ثم إن قطع قوله بعد القولين، فيجب القطع بأن مذهبه ما قطع به، وما كان يتردد فيه ينتهى إليه ويقف.
وإن تقدم قطعُه، ثم قطع بعده بخلافه، فهو رجوع، واستحداث مذهب.
وإن قطع بمذهب، ثم ذكر بعده قولين، فقد ترك المذهب، وعاد إلى التردد.
وإن نُقلت عنه نصوص مختلفة من غير تأريخ، فلا وجه للاستشهاد بالبعض منها.
غير أن المزني يستشهد بكثرة النصوص، وهذا لا متعلق فيه.
12349- ثم ذكر المزني جملاً من الأحكام المتفرعة على الأقوال، ونقل جواب الشافعي فيها على ما يقتضيه تعجيل السراية، ونحن نتتبع تلك الأحكامَ ونذكر المذهبَ فيها، والجوابُ عن تعلق المزني لا يخرج عن قسمين:
أحدهما: اعتذار عما يذكره إن اتجه، والآخر- حملُ كلامه على التفريع على قول تعجيل السراية.
فمما تعلق به أن قال: قال الشافعي: إذا مات المعتِق الموسر، فقيمة نصيب الشريك تؤخذ من تركته بعد موته، وهذا لا خلاف فيه على الأقوال. ووجه الجواب عنه على قول تأخير العتق إلى الأداء، أن العتق صار مستحقاً في نصيب صاحبه، فصار هذا الاستحقاق موجِباً للقيمة، ثم أَخْذ القيمة من تركته، وإن كان يحصل العتق بعد موته ليس بدعاً، وهو محمول على قاعدة تقدم السبب في الحياة، ومن الأصول أن من قدم سبباً في حياته، وترتب عليه تلفٌ بعد موته، فالضمان يتعلق بتركته. هذا إذا مات المعتِق.
وإن مات العبد الذي أعتق الشريك نصيبه من قبل أداء القيمة-والتفريع على تأخير السراية إلى وقت الأداء- فعلى هذا القول وجهان:
أحدهما: لا تلزم القيمة؛ فإن السراية قد فاتت؛ إذْ عِتْقُ العبد بعد موته محال؛ فتقديم العتق على أداء القيمة يخالف القول الذي نفرع عليه وبمثل هذا الحكم فإن المكاتب إذا مات، تنفسخ الكتابة، ويموت رقيقاً. والوجه الثاني- أنه يجب على المعتِق قيمةُ نصيب شريكه، ثم نتبين أن العتق حصل قبيل موته، وهذا يضاهي مذهب أبي حنيفة في مصيره إلى أن المكاتب إذا خلف وفاء أُدّي النجم مما خلّفه، ويتبين أنه عَتَق قُبَيْل موته.
ومما احتج به المزني أن قال: نَصَّ على أن أحد الشريكين إذا وطىء الجارية المشتركة-وهو موسر- سرى الاستيلادُ إلى نصيب الثاني في الحال.
قلنا: هذا جوابٌ على أحد القولين-وهو تعجيل السراية- فالاستيلاد كالإعتاق، فإن عجلنا، فالجواب ما نقله المزني، وإن رأينا تأخير نفوذ العتق إلى أداء القيمة، فالاستيلاد بمثابته، وقولُ الوقف جارٍ فيه. ثم من أصحابنا من يرى الاستيلاد أولى بالتعجيل؛ لأنه مترتب على فعلٍ لا مردّ له، ومنهم من يرى العتق أولى؛ لأنه تحقيق وتنجيز، والاستيلاد فيه عُلْقة العتاقة، ومنهم من سوى بينهما.
ثم نقول في الاستيلاد: إن كان الشريك المولدُ موسراً، ثبت الاستيلاد في نصيبه، ثم في وقت سريانه إلى نصيب الشريك الأقوالُ؛ فإن أخرنا نفوذ الاستيلاد، فنقول: الولد حر لا محالة، ويجب على المستولد نصفُ قيمته لشريكه، كما يجب عليه نصف قيمة الجارية.
وإن قلنا: تتعجل السراية-تفريعاً على الصّحيح- ففي وقت نفوذ الاستيلاد خلافٌ، ذكرناه في استيلاد الأب جاريةَ الابن: فمن أصحابنا من يقول بنقل الملك إلى المستولد قبيل العلوق، فعلى هذا يصادف الوطءُ ملكَه، فلا يلتزم لشريكه شيئاً.
ومنهم من قال: يُنقل الملك في نصيب الشريك بعد العلوق، فيثبت العلوق على مقتضى الشركة.
وقد قدمنا استقصاءَ هذا في استيلاد الأب، وكشفنا ما فيه من إشكال بطريق البحث، ومقدار غرضنا منه الآن التردد في أن الاستيلاد إذا تعجل، وقطعنا بحصول الحرية في الولد، فهل يغرَم المستولد لشريكه في مقابلة الولد شيئاً؟ وإن أخرنا، فلا شك في حصول الحرية في الولد، ولكنا نقطع بتغريم المستولد نصفَ قيمة الولد، وإذا كان المستولد معسراً، ففي انعقاد الولد على التبعض في الحرية وجهان ذكرناهما.
ثم ذكر الأصحاب متصلاً بالاستيلاد أن المستولد لو كان معسراً، ووقف الاستيلاد على نصيبه، ولو استولد الثاني أيضاً، لثبت الاستيلاد في نصيبه أيضاً، فتصير المستولدة مشتركة بينهما على حكم الاستيلاد، فلو فرض يسار بعد ذلك لأحدهما، فأعتق الموسر نصيبه من أم الولد، فقد قال قائلون من أصحابنا: العتق يسري إلى نصيب الشريك الثاني، ويجب غُرْم الثاني.
قال القاضي: هذا خطأ؛ لأن قضية السراية نقل الملك من شخص إلى شخص، وأم الولد غير قابلة لنقل الملك. وإذا امتنع نقل الملك، امتنع تصوير السراية.
12350- ومما احتج به المزني أن قال: إذا قال أحد الشريكين للثاني: قد أعتقتَ نصيبك وأنت موسر، فنحكم بعتق نصيب المدعي، لأنه أقرّ به وهو مؤاخذٌ بإقراره، فدل أن العتق حصل بنفس اللفظ، ولو كان يعتق بأداء القيمة، لم نحكم بعتق نصيب المقر، لأنه لم يأخذ قيمة نصيبه بعدُ.
قلنا: لا يشك الفقيه في أن هذا تفريع على قول تعجيل السراية، والجواب فيه أنا إن حكمنا بالتعجيل، وقع الحكم بالعتق في نصيب الشريك المدعي، والقول قول المدعى عليه، فإن حلف أنه لم يُعتِق نصيبَ نفسه، تَخَلَّص، وإن نكل، حلف المدعي، واستحق عليه القيمةَ لنصيبه، ثم إذا حلف المدعي يمين الرد وألزمنا المدعى عليه القيمة، فهل يقع الحكم بالعتق في نصيب المدعى عليه؟
قال المحققون: لا نحكم بالعتق في نصيبه؛ فإن الدعوى إنما توجهت عليه بسبب تغريمه القيمة؛ وإلا فالدعوى على الإنسان بإعتاق ملكه مردودة، وهي بمثابة ما لو ادعى رجل على مالك عبد أنه أعتقه، فلا تسمع الدعوى، ولا معنى لها. نعم، لو كان هذا المدعي شاهداً، وانضم إليه آخر، وعُدّلا، حُكم بالعتق لشهادة الحسبة.
وإنما نسمع الدعوى من العبد نفسه لما له في العتق من الحظ واستفادة الخلاص، وإنما تقبل دعوى الشريك لطلب القيمة، وَرَدُّ اليمين لا يثبت غير القيمة.
وأبعد بعض من لا خبرة له وقضى بنفوذ العتق في نصيب الشريك المدعى عليه بيمين الرد؛ تبعاً لارتباط دعوى القيمة به، ولا مساغ للقيمة إلا من جهة تقدير السراية، ولا سراية ما لم يُقَدَّرْ نفوذُ العتق من الشريك في نصيبه.
ثم إذا حكمنا على قول التعجيل بنفوذ العتق في نصيب المدعي، فولاء ذلك النصيب موقوف؛ لأن المدعي يزعم أنه لشريكه، وشريكه ينفيه؛ فبقي الولاء موقوفاً، وسيأتي القول في وقف الولاء في مثل ذلك.
ثم قال المزني: لو ادعى الشريك المدعى عليه على صاحبه مثل ذلك، عَتَقَ العبدُ، وكان الولاء له، وبيان ذلك: أنه إذا ادعى كل واحد من الشريكين على صاحبه أنه أعتق نصيبه-والتفريع على قول التعجيل- فينفذ الحكم بعتق العبد ونقول: كل واحد من الشريكين يزعم أن شِرْكه عتق على صاحبه، وصاحبه ينكره، فصار كلُّ واحد مؤاخذاً بموجب إقراره.
وأما قوله:"وولاؤه له" فهو خطأ؛ فإن الولاء موقوف ليس يدعيه واحد من الشريكين. وإذا كان كذلك، فلا وجه إلا وقف الولاء، وهذا لا شك فيه.
وإن اعترف أحدهما بعتق نصيبه، تغير وضع المسألة، وإذ ذاك يكون الولاء للمعترف. وكل هذا تفريع على تعجيل السراية.
12351- ومما ذكره المزني، أن أحد الشريكين إذا قال لصاحبه: مهما أعتقتَ نصيبك، فنصيبي حر، والمخاطب المقول له موسر، فإذا أعتق عَتَقَ الكل عليه، ويلزمه قيمةُ نصيب القائل موسراً كان أو معسراً.
قلنا: هذا جواب على التعجيل، كما سنوضحه، إن شاء الله.
فأما إذا قلنا: تحصُل السراية عند أداء القيمة، لم يَعْتِق الكلُّ على المعتقِ، بل عَتَقَ نصيبه عليه، وعَتَقَ نصيبُ المعلِّق عليه عند بعض أصحابنا.
وتحصيل القول في ذلك يقتضي تقديمَ أصلٍ، وهو أنا إذا رأينا تأخير السراية إلى حصول الأداء، فنصيب الشريك رقيق قبل أداء القيمة.
فلو أعتق ذلك الشريك نصيبَ نفسه، إنشاءً قبل وصول القيمة إليه من جهة شريكه، ففي نفوذ عتقه وجهان على هذا القول:
أحدهما: أنه ينفذ لمصادفة الملك، والثاني: أنه لا ينفذ؛ لكونه محلاً لاستحقاق نفوذ السراية فيه من جهة الشريك، وهذا يصادف نظائر معروفة، منها: إعتاق الراهن المرهون، ثم إن لم ينفذ العتقُ من الشريك إنشاءً، فلا كلام، وإن نفذناه، ففي تنفيذ البيع فيه وجهان ذكرهما القاضي.
وكان شيخي يقطع بأن البيع لا ينفذ فيه، وإن تردد المذهب في نفوذ الإعتاق إنشاء كالمرهون وما يناظره، بخلاف العبد الجاني إذا تعلق الأرش برقبته فإن القول مختلف في نفوذ بيع السيد في رقبته قبل إيصال الفداء إلى مستحقه.
وإذا نحن نفذنا بيع الشريك في مسألتنا، نشأ من هذا سرٌّ في المذهب، لابد من التنبه له، وهو أنا إن جرينا على أنه لا ينفذ عتق الشريك، فلا شك أنه لا ينفذ على هذا بيعُه، فقيمة الحصة مستحقة على الشريك المعتِق، لما اقتضاه إعتاقه من الحجر على ملك الشريك، والحيلولة توجب الغرم في مثل هذا المقام. فترتب على ذلك أن الذي لم يُعتق يطالِب الشريكَ بالقيمة، وإذا قلنا: ينفذ عتق الشريك، ولا ينفذ بيعه، فالمطالبة بالقيمة تامة أيضاً؛ لاطراد الحجر في المنع من البيع.
وإن جرينا على أنه ينفذ عتقُ الشريك في نصيبه وبيعُه، فلا حجر عليه إذاً؛ ويجب لا محالة أن يقال: لا يملك مطالبةَ شريكه المعتِق بالقيمة؛ فإن إعتاقه لم يستعقب السراية ولا الحجر، والشريك الذي لم يُعتِق بحكمه في تصرفاته، فيبقى أن المعتِق إن بذل القيمة، حصل السراية، وهو في بذلها مختار، ويكون بِمنزلة الشفيع في بذل العوض: إن بذله مَلَك الشقصَ المشفوع، وإن لم يبذله، فلا طِلبَة عليه من مشتري الشقص.
وهذا يخبّط المذهب، ويقطع نظامه، ومنه يبين أن تنفيذ بيعه لا وجه له، ثم إن قلنا: ينفذ بيعه، فلو باع، وأَلْزَم البيع من جهة نفسه، فأراد الشريك المعتِق أن يتتبّع بيعه بالنقض، ويبذل القيمة، كما يملك الشفيع نقضَ بيع المشتري لو باع الشقص المشترى، فكيف الوجه في ذلك؟ هذا فيه احتمال وتردد؛ لأنا إذا نزلنا الشريك المعتِق منزلة الشفيع، فقد أثبتنا له حقَّ إثبات العتق في نصيب صاحبه، فإذا جرى بيعٌ لو حُكِم بلزومه، لامتنع حق الشريك المعتِق، لوجب أن يملك الشريك النقض.
وهذا الآن ينتهي إلى خبال وفساد، فالوجه: القطع بأن بيع الشريك لا ينفذ.
ثم يبتني عليه أنه يملك مطالبة المعتق بقيمة النصيب؛ لمكان الحجر الحاصل في ملكه.
12352- فإذا ثبت ما ذكرناه من الخلاف في نفوذ عتق الشريك الثاني بعد إعتاق الأول، فنعود بعد هذا إلى غرض المسألة، ونقول: إذا قال أحد الشريكين: إذا أعتقتَ نصيبك، فنصيبي حر، فهذا نفرّعه على قولَي التعجيل والتأخير: أما التفريع على التعجيل، فإذا جرى هذا التعليق من أحد الشريكين، فقال لصاحبه: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرٍ، فإذا أعتق المخاطَب نصيبه عَتَق عليه العبد إنشاء وسراية، ولم يعتق نصيب المعلِّق بحكم التعليق، فإن قوله:"فنصيبي حر" يقتضي التعقيب، فإذا أعتق المقول له، فالسراية من حكم لفظه، فتغلِبُ السرايةُ حصولَ عتق المعلِّق في نصيب نفسه بحكم التعليق السابق. وهذا مما اتفق الأصحاب عليه إذا فرعنا على قول التعجيل.
فإن قيل: هلا كان عتق المعلِّق أولى بالنفوذ؛ فإنه يوافق وقت السريان؟ وهذا السؤال يقوَى بما مهدناه من أن الملك ينتقل إلى المعتِق، ثم يترتب عليه السريان، فلابد من وقوع العتق بالسريان مترتباً على النقل، والعتق المعلَّق يلاقي وقت نقل الملك، ولأجل هذا السؤال قال المروزي: يحصل العتق متصلاً بإعتاق الشريك غيرَ مترتب، وهذا لا يُنجْيه من السؤال وغائلته؛ فإن الترتّب على نقل الملك إن رُفع من البين، بقي مصادمةُ العتق المعلَّق للعتق بالسراية، وهذا كافٍ في إشكال السؤال.
ثم سبيل الجواب في هذا أن نقول: العتق المعلق مرتب على نفوذ عتق الشريك ترتيباً اختيارياً، وحصول العتق على طريق السراية، يترتب على نفوذ العتق ترتباً حكمياً، والترتب الحكمي أغلب؛ لأنه لا يقع على وقتين محسوسين، فَيُفْصَل أحدُهما عن الثاني، وإنما هو تقدير لا يدركه الحس، وترتيب العتق بالفاء تصرفٌ مقتضاه تقسيم الوقت تعقيباً وترتيباً.
وهذا لا يشفي الغليل إذا كان لا ينفصل العتق المعلق عن إعتاق الشريك بفاصل زماني، فلا شك في اجتماع وقت السراية والعتق المعلق، وإذا فرضنا لنقل الملك زماناً، ولنفوذ العتق بعده زماناً، اقتضى هذا استئخار عتق السراية عن العتق المعلق من طريق الزمان.
فلا خروج عن السؤال إلا بأن نقول: العتق المعلق يصادف ملكاً مستحَقَّ الإزالة، وقد ذكرنا وجهين على قول التأخير في أن الشريك الثاني إذا أعتق نصيبه هل ينفذ عتقه؟ فإذا فرّعنا على أنه لا ينفذ عتقه، لم يبق إشكال في تغليب السراية على قول التعجيل، وإنما السؤال على الوجه الثاني- وهو إذا قلنا: ينفذ عتق الشريك الثاني في نصيبه بعد تقدم عتق الأول، فعلى هذا تغلّب السراية على قول التعجيل أيضاً.
والسبب فيه أن الملك الذي يستحق نقله بالسراية مختطف مستوفًى منتزع عن إمكان التصرف على وجه لا تبقى فيه خِيَرةٌ للمختار، فلما عظم هذا الاستحقاق، اتّحد المذهب في امتناع نفوذ عتق المعلِّق، ونحن إذا نفذنا عتق الراهن، فهو لتغليبنا العتق على حق المرتهن؛ لما يختص الملك به من السلطان ولهذا لا ينفذ بيعه، وهاهنا إذا كان الملك مستحقاً للمعتق بسريان العتق، امتنع نفوذ عتق المعلِّق فيه.
فكأنا نتخيل مراتب نقسط عليها أقدار الفقه: فعتق الراهن-إن نفذ- فسببه أن العتق أقوى من حق الاستيثاق، وعتق الشريك الثاني-على تأخير السراية- أولى بألا ينفذ؛ لأن الحق الثابت في ملكه على اللزوم سببه عتقٌ أيضاً.
وإذا فرعنا على قول التعجيل، فالملك مختطفٌ من البين، حتى كأن لا ملك، وعتق المعلِّق محمول على اختياره، وهذا هو الممكن في ذلك.
12353- ولو قال أحد الشريكين للثاني: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حر قبل نصيبك-فهذه المسألة تدور على مذهب الدَّور الذي سبق إليه ابن الحداد. ووجهه أن الشريك المخاطب المقول له إذا أعتق- فلو نفذنا عتقه، لنفذ على صاحب اللفظ عتقُ المعلِّق قبل إعتاقه، وإذا نفذ عتق المعلق قبل إعتاقه سرى، وإذا سرى، لم ينفذ إعتاق الشريك، وإذا لم ينفذ إعتاقه، لم ينفذ العتق المعلَّق؛ ففي تنفيذ إعتاقه ردُّ إعتاقه.
وعلى هذا المذهب إذا قال مالك العبد له: مهما أعتقتك فأنت حر قبله، لم ينفذ عتقه، وقد ذكرنا نظير ذلك في الطلاق، وذكرنا مذهب قطع مذهب الدور، واخترناه، فلا نعيده.
ومن سلك في رد الدور مسلك الاستبعاد، فالدور في هذه المسألة أبعد، لأنه يؤدي إلى الحجر على الغير في ملكه، وهو أبعد من تصرف المرء في حقه.
ونحن إذا قطعنا الدور، لم نلتفت على هذا الاستبعاد، بل نقطعه بأن الشرط في نظم الكلام وضعه أن يتحقق، ثم ننظر في الجزاء، فإن امتنع، منع، فأما تخيل المنع في الشرط، فلا سبيل إليه لا لفظاً ولا شرعاً، ولسنا نطيل بالإعادة.
ويلزم على مذهب الدور امتناعُ التصرف من الجانبين، لو صدر التعليق من كل واحد منهما، ثم يجب طرد هذا في جميع التصرفات حتى إذا قال كل واحد منهما لصاحبه: مهما بعت نصيبك، فنصيبي حر قبل بيعك، فلا ينفذ البيع، ثم لا ينفذ العتق، فإنه موقوف على بيع صحيح، وصحة البيع ممتنعة، وبمثل هذا يستبين المنصفُ بطلانَ المصير إلى الدور اللفظي. وكل ما ذكرناه على قول التعجيل.
12354- فإن فرعنا على التأخير- وقد قال لشريكه: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حر، فهذا مخرج على الوجهين في أن الشريك الثاني هل ينفذ عتقه؟ وقد مضى.
ولو قال على هذا القول: فنصيبي حر قبل إعتاقك-وفرعنا على أن عتق الثاني لا ينفذ بعد عتق الأول- دارت المسألة أيضاً؛ فإنا إذا قدمنا العتق المعلَّق، صادف إعتاق الثاني ملكاً مستحَقاً، ثم هكذا إلى منتهى الدور.
12355- وفرع صاحب التقريب على قول التأخير مسألةً في التصرف، فقال: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبَه من الجارية المشتركة، وقلنا: لا يسري العتق قبل الأداء، فلو وطىء الشريك الثاني الجارية، فهل يلتزم المهر؟ أما نصف المهر، فيلزمه في مقابلة النصف الحر، وليقع الفرض في وطءٍ محترم، أو في تصوير الضبط والإكراه، فأما النصف الثاني من المهر- فقد ذكر صاحب التقريب فيه وجهين:
أحدهما:أنه لا يلزم، لأن وطأه صادف ملكاً في ذلك النصف- وهذا هو الذي لا يجوز غيره. وليس هو من قبيل التصرفات التي يمتنع بها جريان العتق، حتى يجري الاختلاف فيها.
والوجه الثاني- أنه يجب عليه في مقابلة ملكه نصفُ المهر للشريك، وهذا بعيد، ولكن الممكن في تخريجه أن الملك وإن كان ثابتاً للواطىء، فهو مستحقَّ الانقلاب إلى المعتِق، فصار كأنه منقلب إليه. وهذا يناظر وجهاً ضعيفاً في أن البيع إذا كان فيه شرط خيار وقلنا: الملك للبائع، فلو وطئت الجارية بشبهة، ثم أفضى العقد إلى اللزوم، فقد قال بعض أصحابنا: المهر للمشتري؛ نظراً إلى مصير الملك إليه في المآل، كذلك هذا الملك يصير إلى المعتق في المآل.
ثم لو قال قائل: هلا صرفتم هذا النصف من المهر إلى المعتقة أيضاً؛ فإن هذا الملك إلى الزوال.
قلنا: لا ننكر احتمال هذا، أما صاحب التقريب، فقد أثبته للشريك المعتِق، ووجهه أن الملك ينقلب إليه، ثم يترتب العتق، ولا يمكن توجيه هذا إلا بهذا الطريق. فيجوز أن يقال: إذا كان ملك الواطىء لا يدرأ المهر عنه؛ لأنه مستحقَّ الانقلاب، فالملك الذي نقدّره للمعتق أولى بأن يكون مستحقَّ الانقلاب، فإنه في حكم الحاصل الزائل، فيتجه صرف هذا النصف إليها أيضاً.
ويخرج من هذا أنا إن أثبتنا المهر في مقابلة النصف المملوك، فيجب ألا ينجز إلزامه، بل نُثبته عند حصول السراية، حتى لو ماتت الجارية-وفرعنا على أن السريان لا يتصور بعد موتها- فلا مهر على الواطىء في مقابلة النصف الذي كان مملوكاً له، واستمر الملك فيه-وهذا كله تفريع على وجهٍ لا أصل له.
وإذا جرينا على العادة في طلب النهاية- ونحن نفرع على ضعيف، أفضى التفريع إلى أمور بديعة.
12356- ثم قال المزني:"وسواء كان بين مُسلمَيْن أو كافرَيْن أو مسلم وكافر " وأراد بذلك أن العبد إذا كان مشتركاً بين كافر ومسلم، فأعتق الكافر نصيبه، وقلنا: لا يصح من الكافر شراءُ العبد المسلم-وكان العبد مسلماً- فعلى هذا هل يُقوّم عليه نصيب الشريك؟ في المسألة وجهان، وهو بمثابة شرائه أباه المسلم، وقد قدمنا الخلاف فيه.
والنقل بالسراية-على قول التعجيل- أولى بالصحة من شراء العبد، فإن ذلك عقد اختيار، والنقل يحصل اضطراراً إذا عجلنا السراية، فكان أولى بالنفوذ. نعم، إذا فرعنا على قول التأخير، فبذْلُه القيمة ليعتِق نصيبُ صاحبه يضاهي شراءه من يعتق عليه مع فرق أيضاً، فإن هذا البذل واجب لو قلنا بالسراية، وشراء الأب لا يجب.
ثم فرض المزني عبداً مسلماً بين كافر ومسلم، وما ذكرناه من ترتيب المذهب في السريان ومنعه إنما نشأ من إسلام العبد، وما نشأ فيه من إسلام الشريك، ولكنه صوَّر عبداً مسلماً بين مسلم وكافر ليبني عليه أن المسلم لو أعتق، نفذ عتقه في نصيب الكافر، والكافر إذا أعتق، لم ينفذ عتقه على وجهٍ لبعض الأصحاب، وهذا لم يأت به المزني ليحتج به، وإنما أجراه في عُرض الكلام.
12357- ومما تعلق به أن قال: إذا أعتق الشريك الموسر وألزمناه قيمة نصيب صاحبه، فالاعتبار في القيمة بيوم الإعتاق، لا بيوم التقويم، فدلّ أن العتق يتنجز باللفظ.
وهذا الذي ذكره فرّعه الأصحاب على القولين في التعجيل والتأخير، فنقول: إن عجلنا السراية، فلا شك أنا نعتبر قيمة يوم الإعتاق؛ فإن إتلاف ملك الشريك يحصل متصلاً باللفظ، فإن أخرنا تحصيل العتق إلى وقت الأداء، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: تعتبر قيمة يوم الأداء. فإن التلف يحصل حينئذ، فيجب اعتبار قيمة يوم التلف. والوجه الثاني- أنا نعتبر قيمة يوم الإعتاق؛ فإن الحجر على الملك حصل في ذلك اليوم.
وفي بعض التصانيف وجه ثالث، هو الصواب- وهو أنا نعتبر أقصى القيم من يوم العتق إلى يوم الأداء؛ فإن الإعتاق سببٌ متصل إلى الإفضاء إلى التلف، فيجب أن يكون بمثابة جراحة العبد، ومن جرح عبداً، ثم مات بعد زمان، اعتبرنا قيمته أقصى ما يكون من يوم الجرح إلى يوم التلف، وكذلك من غصب عبداً، وتلف في يده، ألزمناه أقصى القيم؛ لأننا نُنْزل الغصب منه بمنزلة التسبب إلى التلف. هذا ما ذكره الأصحاب، ولابد من بحث فيه.
أما إيجاب الأقصى، فمصرِّحٌ بالغرض، لا بحث فيه، وأما من قال: يُعتبر يوم الإعتاق، فمعناه عندي إدخال يوم الإعتاق في الاعتبار، وإلا فلا وجه لإنكار اعتبار القيمة بعده، لما قدمناه.
وقد ينقدح-على بُعْده- أن يقال: صار الملك كالمهلَك يومئذ فلا يعتبر ازدياد بعده. وهذا يلتفت على ما حكيناه في المهر.
وأما من اعتبر يومَ أداء القيمة، فلا اتجاه له إلا على مذهب من لا يمنع العتق والبيع، فيكون بذل القيمة يومَ الأداء كبذل الثمن المسمى من الشفيع، وكأن الاعتياض يجري يوم البذل، والقيمة يومئذ ممثلة بالثمن.
12358- ثم قال الشافعي:"وإن كان معسراً، عَتَقَ نصيبه، وكان الشريك على ملكه... إلى آخره".
أراد بذلك أن العتق إذا وقف على نصيب المُعْسر، فالشخص يستقل بموجب الحرية في بعضه، وعليه حكمُ الرق في بعضه.
ولعلي أجمع في آخر العتق ما يحضرني من أحكام مَن بعضه رقيق وبعضه حر.
فصل:
قال:"ولو أعتق شريكان، لأحدهما النصف، وللآخر السدس... إلى آخره".
12359- صورة المسألة: عبد بين ثلاثة، لواحد نصفه، ولواحد ثلثه، ولآخر سدسه، فأعتق صاحب النصف والسدس نصيبهما، ووقع العتقان معاً، وتصوير الاجتماع أن يتلفظا معاً أو يوكلا وكيلاً بإعتاق نصيبهما حتى يعبر عنهما بعبارة واحدة، فإذا نفذ العتقان معاً، وكانا موسرين-والتفريع على قول التعجيل- فيسري العتقان إلى الثلث الباقي؛ وفي كيفية التقويم على صاحب النصف والسدس قولان:
أحدهما: يُقوَّم عليهما على عدد الرؤوس بالتسوية، ولا نظر إلى اختلاف الملكين.
والثاني: أن التقويم يقع عليهما على قدر الأملاك، فيغرم صاحب النصف ثلاثة أرباع قيمة الثلث، ويغرم صاحب السدس ربعَها، ونَقْلُ الملك والولاء يقعان على هذه النسبة. والقولان يبتنيان على أن الشفعة على عدد الرؤوس، أم على قدر الأنصباء. هذا هو المسلك المرضي.
وقال بعض أصحابنا نقطع بالتقويم على عدد الرؤوس هاهنا؛ لأن سبيل التقويم فيما نحن فيه كسبيل تغريم الجناة الأرش إذا سرت الجراحات. ثم اختلاف الجراحات في الصورة لا يوجب تفاوتاً، حتى لو جَرَحَ أحدُ الجارحين مائةَ جراحة، وجرح الثاني جراحةً واحدة، وسرت الجراحات إلى الزهوق، فالدية نصفان بينهما.
وهذا ليس بذاك؛ فإن سراية الجراحات صورةٌ وعِيان. وقد يغمض مبلغ آثار السرايات، وقدرُ وقعها، وصُوَرُ الجراح لم تقتل؛ فإنها لم تكن مذفِّفة، فلما غمض الأمر، وزعنا على الرؤوس، والسراية فيما نحن فيه حكم، والحكم محال على الشرع، فينبغي أن نثبته على موجب القياس في الشرع.
فصل:
قال:"ولو اختلفا في قيمة العبد، فيها قولان... إلى آخره".
12360- إذا اختلف المعتِق وشريكه في قيمة العبد، وتعذر معرفتها بأن مات العبد، وتقادم العهد، وعسر الرجوع إلى اعتبار صورته وصفته؛ فإذا اختلفا في القيمة على الإطلاق، ففي المسألة قولان:
أحدهما: القول قول المعتِق؛ لأنه الغارم كما في ضمان الإتلافات، وهذا اختيار المزني. والقول الثاني- القول قول صاحب النصيب؛ فإنه يُستَحَقّ عليه ملكُه بعوض، فيجب أن يخرج ملكه من يده بحكم قوله.
والأَوْلى عندنا بناء القولين على أنه إذا اشترى الرجل عبدين، وتلف أحدهما في يده، وأراد أن يردَّ الثاني بالعيب، وجوزنا تفريق الصفقة في الرد، فلو اختلفا، فقال المشتري: كان قيمةُ العبد التالف خمسمائة، وقيمة الباقي ألفاً، فرُدَّ عليّ ثلثي الثمن، والبائع يقول: بل قيمة التالف ألف، فلا أرد إلا نصف الثمن، فالقول قول من؟ في المسألة قولان.
وهذا البناء ليس كما نؤثره؛ فإن تلك القيمة ليست قيمة مغرومة، والقيمة فيما نحن فيه مغرومة، فالأصل أن يكون القول قولُ الغارم، فلا وجه إلا الاقتصار على توجيه القولين بما يمكن.
12361- ثم قال:"ولو قال: هو خباز، وقال الغارم ليس كذلك... إلى آخره".
وهذا من تتمة القول في الاختلاف في القيمة. فإذا مات العبد-والرجوع إليه- فقال المغروم له: كان العبد خبازاً، أو كاتباً، وأنكر الغارم ذلك، فقد ذكر العراقيون فيه طريقين: قالوا: من أصحابنا من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: أن القول قول الغارم، والثاني: القول قول الطالب، والقولان مبنيان على أنهما إذا اختلفا في مبلغ القيمة اختلافاً مطلقاً، فالقول قول من؟ وذلك لأن من يدعي مزيداً في القيمة، فلابد وأن يكون مدعياً لزيادة صفة، أو زيادة رغبة، فإن صُدّق ثَمَّ، وجب أن يُصَدَّق فيما نحن فيه.
قالوا: ومن أصحابنا من قال: القول قول الغارم في نفي الصفة الزائدة التي يدعيها الطالب؛ فإن الأصل عدمُها.
ولو ادعى الغارم نقيصةً تنتقص القيمة بسببها، وأنكر الطالب تلك النقيصة، نظر: فإن قال الغارم: كان العبد سليماً في أصل الخلقة، لكن عاب قبل أن أعتق نصيبي منه، فهل يصدَّق هذا الذي يدعي طريان النقصان؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه يصدق مع يمينه؛ فإن الأصل براءة ذمته، والقول الثاني- أنه يصدق الطالب مع يمينه؛ لأن الأصل بقاءُ السلامة، قال أئمتنا: هذا من تقابل الأصلين، فإن الأصل من جانبٍ براءةُ الذمة، فبعُد شَغْلُها من غير ثَبَتٍ، والأصل في الجانب الثاني بقاءُ العبد على سلامته، فَبَعُدَ ادعاء النقصان من غير ثَبَت. وهذا أوقع صورة تذكر في تقابل الأصلين.
12362- ولا ينبغي أن يعتقد الإنسان أن المعنيّ بتقابل الأصلين تعارضهما على وزن واحد في الترجيح؛ فإن هذا كلام متناقض إذا كنا نُفتي لا محالة بأحد القولين، ونُلحق المسألة بالمجتَهَدَات التي يتعين على المجتهد فيها تقديم ظن على ظن، وحسِب بعضُ الناس من شيوع هذا اللقب أن الأصلين متعارضان تحقيقاً، ولو تحقق ذلك، لسقط المذهبان، وهذا يستحيل المصير إليه، ولو سمى مُسمٍّ كل قولين بهذا الاسم، لم يمتنع؛ من جهة أن من يُجري القولين لا يبتّ جواباً، ولا يعيّن مذهباً، بل يقول إني متردد، والأمران متقابلان عندي، وتقابلهما حملني على التردد، ومن أدى اجتهادُه إلى أحدهما، فلا تقابل عنده، وقد ظهر الترجيح لديه، غير أن مسائلَ معدودة جرت على صورة واحدة، وعلى قضية في التشابه، فسماها الفقهاء باسمٍ لتمييز ذلك النوع عما عداها في التبويب والترتيب.
وهذا كقولهم إذا غاب العبد وانقطع الخبر، فهل يجب على المَوْلى إخراجُ فطرته؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا يجب تغليبا لبراءة الذمة، والثاني: يجب لاعتقاد الحياة، وكذلك إذا أعتقه مالكه عن ظهارٍ، فهل تبرأ ذمته في الحال، فعلى ما ذكرناه: في قولٍ نقول: الأصل اشتغال الذمة، فلا براءة إلا بثت، وفي قولٍ: الأصل بقاء العبد، فلا حكم بالموت والفوت إلا بثبت، فهذا هو المسلك، ولا معنى لإكثار الأمثلة بعد وضوح المقصود. نعم، مِن حكم تقابل الأصلين أن يَدِقّ النظرُ في محاولة ترجيح جانب على جانب.
ولو لم يسلِّم الغارم السلامةَ الخِلْقية، بل قال: خلق أكمه، أو بِفَرْد عينٍ، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الغارم مصدق، فإنه لم يسلم أصلاً حتى يُنسبَ بعد تسليمه إلى زواله، وقال العراقيون: في هذه الصورة قولان مبنيان على القولين فيه إذا اختلفا في مقدار القيمة مطلقاً، فإنا إذا صدقنا من يدعي الزيادة، فليس معه أصل في دعوى الزيادة. ومع هذا أجرينا قولاً في تصديق الطالب، ولا فرق بين أن يدعي مزيداً مطلقاً لا يستند إلى أصل، وبين أن يدعي مزيداً في أصل الخلقة، بل هذا أقرب؛ فإن سلامة الخلقة معتادة؛ والكمه نادر، وادعاءُ الزيادة المطلقة ليس فيها استناد إلى اعتياد.
وليتّخذ الفقيه هذا الفصل معتبره إن كان يبغي أن تتميز له صور تقابل الأصلين عن غيرها، فالقولان في الاختلاف المطلق في مقدار القيمة ليسا من تقابل الأصلين، بل أصح القولين تصديق الغارم. والقول الثاني موجه باعتبار قول من يُزال ملكه بعوض.
وهذا ضعيف؛ لأن هذا الكلام كالمشير إلى تراضي المعاوضات، والملك يزول بسبب القهر، فهو من فن الإتلاف.
وإذا رجع النزاع إلى ادعاء نقص بعد تسليم السلامة، فهذا من صور تقابل الأصلين؛ إذ أصل براءة الذمة يعارض أصلَ السلامة، وإذا لم يسلم الغارم السلامة، فهذا يَخْرُج عن قالب تقابل الأصلين، فإن الغارم لم يسلم أصلَ السلامة، وإن تكلف متكلف، وقال: الأصل في الناس السلامة، كان مبعداً، ومن أجرى القولين ألحقهما بالاختلاف في أصل القيمة مع ترجيحٍ نبهنا عليه، فكل صورة مما ذكرناه يظهر فيها توجيه، فليس من تقابل الأصلين، وإذا تدانى المأخذان ودق الترجيح، وتمسك كل قائل باستصحاب أصل، فذاك هو الذي يسمى تقابل الأصلين.
فهذا منتهى ما ذكرناه.
فصل:
قال:"وإذا أعتق شركاً له في مرضه الذي مات فيه... إلى آخره".
12363- ثلث مال المريض في تبرعاته ينزل منزلة مال الصحيح، فإذا أعتق المريض شقصاً له من عبد، إن كان في ثلثه وفاءٌ بالقيمة، سرى العتق إلى الباقي، سواء كان العبد خالصاً له أو كان مشتَركاً. ولو كان في الثلث وفاءٌ ببعض ما بقي، ففيه التفصيل الذي ذكرناه فيما تقدم.
ولو أوصى أن يعتق عنه بعضٌ من عبد، لم يقوّم عليه الباقي، وإن خرج من ثلثه؛ فإنه عِتْقٌ واقع بعد الموت، والموت يزيل الملك، ويُلحق الميت بالمعسرين، والثلث وإن كان محل وصاياه، فذاك لو أوصى بما يستغرق الثلث؛ وإذا لم يفعل، فحق الورثة مقدَّم مغلّب، ولو كان له شقص من عبد فأوصى أن يعتق عنه ذلك الشقص، ويسري العتق في باقيه من ثلثه، وكان الثلث وافياً، فلا خير في هذه الوصية؛ فإن الملك يزول بالموت، كما ذكرناه، وإذا زال الملك، فلا سريان له، والوصية إنما تنفذ بأمر يبتدىء بعد الموت، أو بأمر تُعلق وقوعه بالموت، والسراية لا تنشأ ولا تُعلق، والموت يزيل الملك، فيمتنع السريان، فإن أراد تكميل العتق أوصى بأن يُشتَرى نصيبُ صاحبه ويعتَق.
فرع:
12364- وذكر الشيخ أبو علي في شرح الفروع في أثناء الكلام، أن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه، وقلنا: إن نصيب شريكه لا يَعْتِق إلا مع أداء القيمة، وقلنا: المعتِق مطالب بالقيمة، ولا ينفذ تصرف شريكه في نصيب نفسه لكونه مستحقاً للسراية، فلو تلف مالُ الشريك، وصار معسراً، قال رضي الله عنه: ينطلق الحجر عن الشريك في حصته، ويتصرف فيها بما شاء، لأن شريكه قد أعسر، ولو كان معسراً ابتداء، لما أثر العتق في حصة الشريك، فكذلك إذا طرأ الإعسار، والتفريع على ما ذكرنا.
ثم قال: فلو أيسر الشريك، ووجد ما يفي بنصيب صاحبه، فلا يقوّم عليه نصيب الشريك بعد ذلك؛ فإن الطَّلِبةَ قد انقطعت عنه بتخلل إعساره، وارتفع حق العتق عن نصيب صاحبه، فلا يعود بعود المال. هكذا قال رضي الله عنه.
ويتطرق الاحتمال إلى موضعين من كلامه:
أحدهما: أنه قال: انطلق الحجر بطريان الإعسار، والظاهر ما قال؛ فإن هذا القول مبني على رعاية حق الشريك، ولذلك فَصَلْنا بين أن يكون المعتق موسراً وبين أن يكون معسراً. ووجه تطرق الاحتمال مع ظهور ما قال أن عُلقة العتق تثبت، فيجوز أن يظن لزومها، وأما ما ذكر من أنه إذا عاد اليسار، لم يعُد حق العتق، ففيه احتمال. وهو أظهر؛ لأن علقة العَتاقة تثبت أولاً، فلئن طرأ عسر، فقد زال. والعلم عند الله.